Ibn Rushd Fund for Freedom of Thought

CONTENTSTYLE>

لننصف تاريخنا ونضعه موضعه بقلم ملاك طلال

PDF

لننصف تاريخنا ونضعه موضعه وننصف حاضرنا ونضعه موضعه. الإنسان في مجتمعاتنا ما بين متحسرٍ على ما فات وبين متحسرٍ على الحال الواقع.  من حق كل مسلم أن يفتخر بتاريخه ولكن ذلك فقط إن كان مدركا حقا عن ماهية تاريخه وواقعه ولا يختار أجزاء منها متغافلا عن جوانبها الأخرى.

أمّا ما ليس من حق أي مسلم أو عربي هو أن يتوجه باللوم والتنقيص للغرب لكونهم يجهلون حضارتنا وماضينا أو أن نتبجح بأن ما بنوا عليه علومهم هو نتاج فكر وعلم إسلامي خالص.

في البداية هو نتاج بشري مشترك تراكمي كما أخذ المسلمين من سابقيهم أخذ الغرب ممن سبقهم لم أجد يوما أحداً في مجتمعاتنا يطالب بتدريس الحضارة الهندية أو الصينية أو حضارات بلاد الرافدين تقديرا لما أضافوه للبشرية !

ولم يخترع العرب والمسلمين مفهوم العلم والمعرفة ولم يكن من سبقهم حيوانات هائجة. الدول والحضارات تقوم وتسقط هذه سنة الحياة. لنتجاوز دور الضحية المستضعفة المتكالبة عليها الأمم والأزمنة ونتعايش مع الواقع فالحقيقة هو أنه ماض ذهب وأخذ معه رجاله ولم يترك لنا إلا أنصاف الرجال وأشباه البشر.

شخصيا اعشق التاريخ وأستمتع بمطالعته وأستقي منه الكثير من مبادئي وأبني عليه عدة أوجه في نظرتي للحياة والناس والمجتمعات ولكن الكثير مما نتبجح به ومما تميز أجدادنا فيه هو ذات ما نذم به الغرب اليوم فنحن نحتقر الحضارة الغربية ونصفها بأسواء الأوصاف ونتهمها بتجاهل ما قدمه المسلمون لها وفي ذات الوقت انكارنا لما كان قبل الإسلام مبررا وجعلنا لحضارتنا مرحلة منفردة في التاريخ الإنساني غرورا وبجاحة من أبسط حقوقنا ان نمارسهما.

وللرد على القضية علينا أن نتعلم مفهوم نقد الذات لا جلدها فوعي نقد الذات والإعتراف بدورنا وعلاقتتنا بنتيجة ما عليه حالنا ومآلنا وبمسئوليتنا نحو الإنعتاق من هذه الحال وما آلت إليه أوضاعنا.  فلنكن منصفين ونجيب بصدق كيف ينظر أغلبيتنا تجاه العامل الهندي أو البنقالي أوالسيرلانكي  ! مالذي نعرفه عن حضارتهم وتاريخهم وما قدمته الحضارة الهندية للمسيرة البشرية؟

يعتقد العرب بأن الخوارزمي أول من جعل للصفر قيمة عددية في حين أن الحقيقة هو انه أول من جعل للصفر قيمة عددية في علم الرياضيات لدى العرب أما تاريخيا فأول من أستخدم الصفر كان علماء الرياضيات الهنود وأول من جعل له قيمة عددية كان علماء الرياضيات الصينيون. كم شخص بيننا مر عليه اسم عالم الرياضيات الفلكي الهندي براهماغويتا والذي قدم الصفر كرقم وأول من شرح الأرقام السالبة واستخدم عملية الضرب في الأرقام السالبة وكان أول من استخدم الرياضيات في حل المعادلات الفلكية وتمكن من تقدير السنة الشمسية بـ 365 يوم و6 ساعات و12 دقيقة و36 ثانية بخطأ ببعض الدقائق عن طولها الذي تمكن العلماء من تحديده بالمقاييس الحديثة.

طيب أريابهاتا الذي هو أحد مؤسسي علم الرياضيات والأعداد في التاريخ القديم فلك، عالم رياضيات وشاعر هندي، قال بكروية الأرض ودورانها حول محورها ودورانها حول الشمس؟ وفي الرياضيات استخرج الجذور التربيعية واستنتج القيمة النسبية لباي 3.416
طور نظرية عن كيفية حدوث كسوف الشمس وخسوف القمر وهو في الـ 23 من عمره وهذا قبل قرنين من ظهور الإسلام.

هل تعلم أن الأعداد العربية أصلها أعداد هندية وضعها علماء الرياضيات الهنود فأخذها عنهم العرب واستخدموا فيها رسما خاصا في الرياضيات مختلف عن طريقة كتابته في المجالات الأخرى وان نظام الأعداد الرياضي هو ما نقله علماء الغرب لعلومهم أي أن 1 2 3 هذا رسم عربي. أبدعت الحضارة الهندية في الفلك، الرياضيات، الهندسة، الأدب، المسرح، الفن، الشعر، الفلسفة والطب وأعترف علمائها بدوران الأرض وابتكروا النظام العشري في الأعداد.

منذ ألف سنة قبل الميلاد ولفترة طويلة في تاريخ الهند إلى ما بعد الميلاد حين كان العرب يأدون بناتهم والروم مازالوا متشككين أين يضعوا المرأة في سلم الكائنات (بشر-حيوان-إنسان خلق لخدمة الرجل) خلال هذه العصور الطويلة من الجهل والظلم والتعدي على حقوق المرأة تمتعت المرأة الهندية بحقوق مساوية للرجل في جميع جوانب الحياة حتى الدينية، كان لها الحق في التعليم والعمل واختيار الزوج وتمتعت بمكانة عالية في المجتمع ولم تنحدر هذه المكانة سوى منذ فترة بسيطة سابقة لغزو المسلمين للهند وقد سقطت قيمة المرأة في تاريخ الهند لأحط مستوياتها مع دخول الغزو الإسلامي والإمبراطورية المغولية وازداد سوء بدخول المسيحين واحتلالهم للهند (هذا لا علاقة له بتكريم الإسلام للمرأة، الإسلام كرمها ورجاله داسوا عليه).

مالذي نطالب به الغرب؟ أن يعترف بمجهود وعلم المسلمين ومكانتهم ضمن مسيرة الحضارة البشرية؟

هل هذا كافي أم نطالب بأن يدرّس التاريخ الإسلامي في المدارس في الغرب؟ كيف ننصف عندما ننتقد نظرة الغرب تجاهنا وننتقد عدم معرفة أغلبيتهم بنتاج تاريخنا وحضارتنا وهو تاريخنا. ألا يكفي ما نتدارسه من أكاذيب عنه؟ هل نريد تصدير الكذب؟. أما إذا كان التقدير المطلوب هو تقدير من المجتمع العلمي فكما أن علماء المسلمين لم ينكروا جهود من سبقهم وترجموا كتبهم وعلومهم في المقابل أنصفهم علماء الغرب. والكذبة العريضة حول المؤامرة ضد علماء العرب والمسلمين وهمٌ سخيف كنت أصدقه ككثيرين غيري حتى وقفت امام الحقيقة. والكذبة تقول بوجود تحامل على ما قدمه المسلمين من علوم وفكر ولكنها ليست حقيقة حيث أن أغلبية علماء الغرب يعترفون بجهود وانجازات المسلمين.

فالخوارزمي جعلَت له روسيا طابع بريدي بصورته. ووصفته موسوعة لاروس الفرنسية بأنه عالم يدين له التاريخ والبشر لما قدمه في علم الرياضيات وأن لولاه لكانت تأخرت النهضة الحالية. والبيروني أحد أربعة وعشرين عالما مسلما في الفلك أطلقت اسمائهم على معالم في سطح القمر وأضيفت أسماءهم لمعجم تسميات الفلك من قبل الإتحاد الفلكي الدولي تقديرا لجهودهم في هذا العلم من أمثال الخوارزمي، ابن الهيثم وعبد الرحمن الصوفي، أبو إسحق نور الدين البطروجي، البتاني وغيرهم
الرابط
 http://www.icoproject.org/cra.html?&l=en

والرازي يطلق عليه رجال الكيمياء اليوم بأبو الكيمياء الحديثة ويسمى بجاليلوس العرب بينما وصف المؤرخ جورج سارتون والفكلي لالاند عالم الفلك البتاني بأنه أعظم فلكي جنسه وزمنه واختاره المجتمع العلمي كأحد الفلكين العشرين المؤسسين لعلم الفلك على مر التاريخ البشري. وقد أستمر علماء أوروبا وأطبائهم في اعتماد كتب ومراجع الطبيب والجراح أبو القاسم الزهرواي والطبيب ابن سينا كمرجع أساسي للطب على مدى قرون ويسمى الزهرواي لديهم بأبي الجراحة وابن سينا بأبي الطب.

أولغ بك الأوزباكستاني عالم في الهندسة والفلك والرياضيات وهو مخترع للآلات الفلكية وألف مجلدات في مختلف العلوم ولا يعرفه أغلب المسلمين وقد ترجم مجموعة من الباحثين الألمان والفرنسين كتبه ولولاهم لضاع الكثير من علمه.

ابن خلدون لم يكن معروفا ومشهورا في حياته ولا بعد مماته. ولولا أن وجد كتبه بعض الباحثين الغرب مرمية مهملة بين أكوام الكتب وترجموها لكان كل ما لدينا عنه هو أنه أحد المسلمين الذين ضاع انتاجهم. كما ضاعت كل مؤلفات عالم الرياضيات الكرخي وبحسب استطلاع لأراء كبار المفكرين والعلماء أعتبر كتاب ابن خلدون (المقدمة) من بين عشرة كتب هي الأكثر تأثيرا في التاريخ البشري.

ابن رشد والجبرتي،القيروني، الفراهيدي، الجزري، ابن عربي، البلخي وعشرات غيرهم تعرض لوحات لرسمهم في المتاحف في الغرب وتعرض مجسمات لهم في مداخل بعض الجامعات والكليات ولو كانت هذه التماثيل والمجسمات في بلادنا كتمثال الطبيب ابن البيطار في مدينة ملقة بإسبانيا لحطمها أهل الأحتساب خوفا من افتتان الناس بها وإمكانية تحولهم لعبادتها.

صحيح بأن الغرب في مرحلةٍ ما حاول البعض منهم اخفاء دور المسلمين وما قدمه علمائهم ولكن الواقع حاليا هو أن كل ما قدمته الحضارة الإسلامية معترف به وصورة المؤامرة ضد الإسلام ووهم العداء هو اختباء جبان خلف الفشل والانحطاط.

من بين 11 شخصية مسلمة وعربية حائزة على جائزة نوبل هناك أديبين هما المصري نجيب محفوفظ والتركي اورهان باموك وعالم الفيزياء الباكستاني محمد عبد السلام والكيميائي المصري أحمد زويل والانحطاط جعلنا نتعامل مع هؤلاء المبدعين الأربعة بمنتهى اللاعدل فقد اتهم نجيب محفوظ بالزندقة وهدد بالقتل وتعرض لمحاولة اغتيال بتهمة تهجمه على الإسلام في رواياته وتشجيعه على الانحلال الأخلاقي. تمت محاكمة اورهان باموك بسبب تعليق له قال فيه أن المؤرخين ورجال الدولة الأتراك متجاهلين مجازر الكرد والأرمنين ويجب أن يعترفوا بها.

محمد عبد السلام خرج من باكستان لبريطانيا اعتراضا منه على تكفير علماء الباكستان والبرلمان الدستوري الباكستاني لكل متبعي فكر الجماعة الإسلامية الأحمدية التي هو أحد متبعيها وبقي في الغربة ومات في الغربة.

وزويل كاد بل استجدى الدول العربية لدعم بحوثه بسبب رغبته أن ترتبط نجاحاته بأسم أي دولة عربية ولم يلتفت إليه أحد بينما يدفع رجال الأعمال لدينا عشرات الملايين مهرا لراقصة أو فاجرة ويلصق وجهه بوجهها في كل مقابلة مجلة أو محفل فني.

هذه نماذج وغيرها كثيرة. لا يوجد مجتمع يخلو من المفكرين والعلماء والمبدعين ولكن توجد مجتمعات تهمش هؤلاء أو تهيئ لهم المناخ المناسب للتقدم بها.

وليس ذاك خطأ الحكومات فقط وإن كان دورها كبيرا وجوهريا، فكما أن الدولة لا تعطي اهتماماً كافياً للمبدعين فالشعب والفرد بيننا مهتم بتفاصيل وأخبار الدوري الكروي والبطولات أكثر من اهتمامه بأخبار مفكريه وعلماءه.

فبدلا من أن نوصم أنفسنا بالجهل والسطحية، لنحاول كأفراد على الأقل أن نقوم بدورنا في توجيه اهتماماتنا نحو شخصيات كهذه بدلا من التركيز على الحط من قدر جيل كامل ثار لأننا أجبرناه على أن يثور. ليس من العدل أن نطلب منهم التغيير أو نلومهم على ما آلت له الثورات وما تسببت به من ضياع للأرواح والحقوق.

نحن ما نحن عليه شئنا أم اشتكينا، كأفراد بيننا عباقرة ومبدعين وشخصيات تستحق الإحترام والفخر لا تخلو مجتمعاتنا وأوطاننا من أسماء تميزت وتفردت في العلم والأدب وعلى مستوى جميع المجالات ولكن إنتاجهم فردي وكلامي هنا ليس نفيا لأي لوم على الأخرين في تخلفنا (كدول أو جماعات أو أفراد)، فقط التذكير بمسؤوليتنا وبأننا مجتمعيا دول تعيش مرحلة جمود وتأخر مدني وحضاري، مجتمعات بلا انتاج وبلا تميز وبلا صناعة، مجتمعات لا تمتلك ما تصدره للغير حتى تختلف نظرة الغير تجاهنا، هم يروننا كمجتمع وليس مطالبا منهم أن يتعرفوا علينا كأفراد ليعرفوا مدى الاختلاف بين حقيقة ما نحن عليه وبين ظنهم عنا والذي هو نتيجة الصورة التي تقدمها مجتمعاتنا ونشرات الأخبار لهم.

حولنا وداخلنا دول تعيش حروب ونزاع طائفي بشع، بيننا واحدة من دول العالم التي تواجه مجاعة وبيننا أغنى دول العالم، نظام التعليم لدينا من أحط ما يكون، حقوق الإنسان مداس عليها بألف نعل، زواج الأطفال مسموح به، رجل الدين يعتمد على كلامه في علوم الفلك ورجل الفلك مهمش متجاهل.

أيا كان دور الغرب الذي لا نستطيع تغييره لا بالقوة ولا التجبر، في الأخير دورهم هذا الذي تعلمنا التغني به والاختباء خلفه لن يساعد توضيحه ودراسته والقول به في تبديل حالنا، بل أن ما نحتاجه هو أن نكتسب الوعي في إصلاح ما بأيدينا إصلاحه بدلا من رمي المسؤولية على الأطراف المختلفة.

والسبب الآخر واضح ومتعارف عليه ألا وهو الجهل المتمثل بصورة العلم المتخفي خلف العلم والفكر بالأخص لادعاءات بعض رجال الدين بيننا يرون أحقيتهم في إبداء الرأي في الفيزياء والاجتماع والفلسفة وعلوم الأرض والفلك. ببساطة هم يغلفون كل سخفهم وغبائهم وجهلهم بغلاف ديني ويقدموه إلينا. والمصيبة أن هؤلاء الذين لا يكلون من تذكيرنا بمعاصينا وفسقنا وعقابنا والنار والجحيم وجهنم’ هم مشاركين في جحيمنا اليوم وقد فهمهم الكواكبي جيدا حين قال بأن أقبح أنواع الاستبداد هو استبداد الجهل على العلم واستبداد النفس على العقل.

لا أعلم حقا إن كان الخطأ في الإجابات والحلول المقدمة أم في الأسئلة ذاتها؟ الفكر العربي بشكل أو بآخر مع الإنسان العربي شاركا في خلق هذا التخلف والإبقاء عليه عمرا طويلا وبجعله قائما يخنقنا جميعا ولا ننسى بأن سبل ومسببات التغيير المقترحة من الإسلاميين أو العلمانيين تزيده تراجعا وانحدارا.

أكبر أخطائنا أننا نناقش دوما كيف نستعيد حضارتنا القديمة ومجدها’ لا كيف نبني حضارة معاصرة متوافقة مع التقدم المعايش والتحضر المعاصر، والمفكر بيننا يسأل كيف ننقل الحضارة الغربية لأرضنا ونتقبلها ونصبح جزءاً منها؟

والحقيقة بغض النظر عن كل ادعاءات ومواعظ رجال الدين فلا يمكن إنسانيا أن يبني الإنسان حضارة ومجتمع مثالي لا عيوب ولا نواقص فيه لا يحتاج للتصحيح ولهذا ففكرة أسلمة السياسة والدول شوهت الدين وجعلت الأصابع تتوجه نحوه حاملة كل انتقاد وتنقيص، لأننا كذبنا وصدقنا كذبتنا حين ادّعينا أن النموذج الإسلامي سيخلق مجتمعاً ناجحاً متوحداً مترابطاً متناغما. فمثل هذا المجتمع مصيره الانهيار لا محالة، ولذلك فهو ينهار فوق رؤوسنا اليوم لا تَبني المجتمعات الخانعة التي ليس فيها تنافس وأعباء وفشل وإخفاق أي حضارة، ولذلك أصرُّ على أن الكذب في تاريخنا مسبب مهم لما نحن عليه فقد صورنا أهل الماضي بأنهم كانوا أسرة واحدة ويد واحدة وأن زمانهم كان خير الأزمنة.
إن هم نظروا للإنسان بمنظور القرآن العقلاني لرحموه ورحمونا وتوقفوا عن وعظهم وصياحهم في التنقيص من الإنسان وتخويفه من نفسه وغرائزه وفطرته ومحاولات إجباره أن يكون ذو خصال حسنة وشمائل محمودة ومزايا ومكارم هو ابعد ما يكون عنها ولا سبيل له في الوصول إليها لأنه بشر ومن وجهة نظر دينية بحتة إذا كان الله في مفهوم علماء المسلمين غايته من خلق الإنسان وإخلافه على الأرض هو أن يصنع هذا الإنسان مجتمعاً مثاليا مطيعاً فاضلاً أخلاقياً لا نزاع فيه ولا خصام والكل داخله على توافق وانسجام ووحدة فلِم خلق الإنسان ولم يكتفي بالملائكة؟

ونحن حين نلقي اللوم على الغرب فهل نقصد أنهم يجبرونا على هذا الغباء والجهل وعلى الرشوة والفساد المالي واعتبار سرقة المال العام فهلوة وغض البصر عن اللص الكبير؟ وعلى قطع يد سارق الخبز على أنه دين وتقوى؟ هل يقف الغربي عند كل مخرج على حدودنا يهددنا بالقتل إن لم نعد أدراجنا ونأكل حقوق بعضنا البعض؟  ويقتل فينا الواحد أخاه، ويكفر بعضنا البعض ونشارك بأنفسنا في قمعنا وقمع غيرنا؟

اللوم كله على العرب المشغولين بفكرة النمط الواحد والعقل الواحد والهدف الواحد، والذين رفضوا أو أساءوا فهم نقد الذات باعتباره لا يقدم أي فائدة سوى أنه يشعرهم بالاكتئاب، بينما كان يجب أن نصنفه كضرورة بها نكتشف دورنا الصحيح وعند النقد فلنكن صادقين وغير مجاملين لأنفسنا، أما مشاعر الاكتئاب والتشاؤم من وراء هذا النقد فهذه مسألة شخصية للفرد لا تصنع مستقبلا ولا علاقة لها بالقضية.
التهرب من الانتقاد يخلق إنساناً غير سويٍ وبدون نقد الذات يفقد الإنسان إنسانيته والوعي بأن أي طريقٍ للإصلاح سيتطلب سنوات من النقد والتقييم والمحاولة وسنوات طويلة وتضحيات أكبر ومجهود مرهق وألم وفشل وإخفاق.
60%  من أصحاب الشهادات العليا هم من النساء في دول الخليج ومع ذلك لا يجد غير 12% منهن وظائف وبحسب مؤسسة الملك خالد فإن الدولة صاحبة أكبر مصدر للنفط في العالم تعاني من تزايد بمعدلات تستدعي القلق في مشكلتي البطالة والفقر كما أن الدول العربية تعاني أيضا من انتشار ظاهرة عمالة الأطفال، التحرش الجنسي تجاه النساء والأطفال، تردي البنى التحتية والخدماتية و الإخفاق المؤسساتي.

السعودية، لبنان، سوريا، ليبيا، اليمن والعراق من بين أكثر الدول انتشارا للفساد في القطاع العام. وللعلم إسرائيل احتلت المرتبة الأولى اقليميا لعام 2007 من حيث الشفافية وانخفاض مستويات الفساد والـ 33 على مستوى العالم في نفس الإحصائية وللأمانة فالإمارات مؤخرا كانت الأولى إقليميا.


ضياع وانهزام ثوراتنا في الماضي القريب وتطلعاتنا المستقبلية والتي كانت حق لا أرفضه ولا أراه خطأٌ وسببا يقف خلف نزاعاتنا الإقليمية الحالية... هذا الفشل للثورات العربية طبيعي ومتوقع، وحين نقول بأن الشباب العرب بات أكثر تحررا وتقبلا للآخر فنحن نتحدث أيضا عن التغير في استجابة هؤلاء الشباب للقيم والأعراف الاجتماعية ومظاهر العلاقات بينهم والشباب العربي المتفتح والمتقبل هو أكثر فئة في المجتمع تراها في صراع دائم مع النفس ومع هذه الثقافة. أغلبية كانوا أو أقلية هم خرجوا حانقين وغير موافقين ليس فقط ضد الظلم ولأجل الحرية بل أيضا كانت ثورتهم ضد المجتمع والفكر العام السائد والصورة التي يعرفها العالم عنا أو ننظر نحن بها لأنفسنا وهم في هذا لم يفشلوا ولم تفشل ثوراتهم فقد عرونا تماما وأجبرونا على أن ننظر نحو الحقيقة التي عشنا أعمارا طويلة نتجاهلها.

علينا تحمل مسئولية ما وصلت إليه ظروفنا في أرقى أيام نهضتنا وأدنى مراحل حضيضنا، والموازنة بين مطالبتنا أن يتحمل شبابنا مسئوليتهم تجاه مجتمعاتنا وبين أن نتحمل كمجتمعات مسئوليتنا تجاه هؤلاء الشباب.
الماضي ذهب بلا عودة والواقع مخزي والغد آت لا محالة. بإختيارنا وصلنا لما نحن عليه وباختيارنا سنبقى أو نخرج منه وعلى الأغلب باقين فيه ما بقي بيننا من لا يزال متعلقا بأستار الماضي وأوهام العداءات الدولية والتاريخية علينا كأمة وعلينا كشعوب.

ونردد أن قوة الاستعمار أهم أسباب تخلفنا والتي لم تؤثر على العرب والمسلمين دون سواهم. العالم كله استعمر الهند، سنغافورة، اليابان، كوريا، البرازيل، الصين استعمرت. في المقابل أفغانستان برغم كل الحروب التي تعرضت لها لم تستعمر حاولوا استعمارها ولكن لم تستعمر قط من دول الغرب.

والاستعمار وإن كان أحد مسببات تأخر الدول نتيجة استغلال ثرواتها من الدول المهيمنه عليها ولكنه ليس حدا فاصلا يمنع الإنسان والمجتمعات والدول من التخلص من تبعياته وبناء ذاتها. نحن المسبب الرئيسي لكل ما عليه حاضرنا، جميعنا، حكومات وشعوب وأفراد، هذا مازرعناه وهذا ماحصدناه.

كيف تشكلت لدينا هذه الإخفاقات وكيف شاركنا لخلق هذه الصورة المشوهة لنا لدى الآخر ولماذا؟ وكيف نصلحها؟ أمورا لابد أن نلتفت لها بدلا من رمي أخطائنا على الغير وانتظار أن يصدروا الفعل لنمارس نحن ردة الفعل.


"ملعون في دين الرحمن من يسجن شعبا، من يخنق فكرا، من يرفع سوطا
من يسكت رأيا، من يبني سجنا،  من يرفع رايات الطغيان، ملعون في كل الأديان من يهدر حق الإنسان
حتى لو صلى أو زكّى  وعاش العمر مع القرآن" -  جمال الدين الأفغاني